ابن أبي الحديد

246

شرح نهج البلاغة

أحد له الا بعد حين . ومنهم من لم يستجب له أصلا ، فان جعفرا عليه السلام كان ملتصقا به ، ولم يسلم حينئذ ، وكان عتبة بن أبي لهب ابن عمه وصهره زوج ابنته ولم يصدقه ، بل كان شديدا عليه ، وكان لخديجة بنون من غيره ، ولم يسلموا حينئذ ، وهم ربائبه ( 1 ) ومعه في دار واحدة . وكان أبو طالب أباه في الحقيقة وكافله وناصره ، والمحامي عنه ، ومن لولاه لم تقم له قائمة ، ومع ذلك لم يسلم في أغلب الروايات ، وكان العباس عمه وصنو أبيه ، وكالقرين له في الولادة والمنشأ والتربية ، ولم يستجب له الا بعد حين طويل ، وكان أبو لهب عمه ، وكدمه ولحمه ، ولم يسلم ، وكان شديدا عليه ، فكيف ينسب اسلام علي عليه السلام إلى الألف والتربية والقرابة واللحمة والتلقين والحضانة ، والدار الجامعة ، وطول العشرة والانس والخلوة وقد كان كل ذلك حاصلا لهؤلاء أو لكثير منهم ، ولم يهتد أحد منهم إذ ذاك ، بل كانوا بين [ من ] ( 2 ) جحد وكفر ومات على كفره ، ومن أبطأ وتأخر ، وسبق بالاسلام وجاء سكيتا ، وقد فاز بالمنزلة غيره . وهل يدل تأمل حال علي عليه السلام مع الانصاف الا على أنه أسلم ، لأنه شاهد الاعلام ، ورأي المعجزات ، وشم ريح النبوة ، ورأي نور الرسالة ، وثبت اليقين في قلبه بمعرفة وعلم ونظر صحيح ، لا بتقليد ولا حمية ، ولا رغبة ولا رهبة ، الا فيما يتعلق بأمور الآخرة . قال الجاحظ فلو أن عليا عليه السلام كان بالغا حيث أسلم ، لكان اسلام أبى بكر وزيد بن حارثة وخباب بن الأرت أفضل من اسلامه ، لان اسلام المقتضب ( 4 ) الذي لم يعتد به ولم يعوده ، ولم يمرن عليه ، أفضل من اسلام الناشئ الذي ربى فيه ، ونشأ وحبب

--> ( 1 ) الربائب : أولاد الزوج . ( 2 ) من ا . ( 3 ) السكيت : الفرس يجئ آخر الحلبة . ( 4 ) المقتضب : غير المستعد للشئ .